Center News Network
Smiling man in a suit and tie, holding a small cup, in a room with ornate woodwork behind him.

حقيقة يجب أن تعرفوها حول الجدل على مستشفى البشير وشركات الخدمات .

بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي .
…………………
ليس كل ما يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي حقيقة، وليس كل من رفع صوته بالاتهام أصبح صاحب حق، فالحقيقة لا تُقاس بعدد المنشورات ولا بعدد التعليقات، وإنما تُقاس بالوثائق، والعقود، والوقائع، والإجراءات القانونية.
ولأنني كنت قريباً من ملف الخدمات في مستشفيات البشير لسنوات، وعملت مديراً لمشروع إحدى شركات الخدمات المتعاقدة مع وزارة الصحة، فإنني أجد من واجبي أن أوضح بعض الحقائق التي قد يجهلها كثيرون، بعيداً عن التشهير أو تصفية الحسابات، وبعيداً عن الدفاع عن شخص أو شركة بقدر ما هو دفاع عن مبدأ أساسي: أن المال العام يجب أن يقابله عمل حقيقي، وأن الوظيفة أمانة وليست راتباً بلا عمل.
قبل سنوات، كانت هناك شركات خدمات تعمل في مستشفيات البشير بموجب عطاءات حكومية، وكانت العقود تلزمها بتوفير أعداد كبيرة من العمال للنظافة والمراسلات والخدمات المختلفة. ومن الأمثلة أن أحد العقود كان ينص على توفير نحو 750 عاملاً، بينما كان الموجود فعلياً، بحسب ما عايشته في تلك المرحلة، لا يتجاوز أعداداً محدودة جداً.
وهنا لا يحتاج الأمر إلى فلسفة قانونية طويلة؛ فالعقد شريعة المتعاقدين، ومن يتقاضى المال العام مقابل خدمة فعليه أن يقدم الخدمة وفقاً لما التزم به.
والنتيجة الطبيعية لأي خلل في هذا الجانب كانت انخفاض مستوى النظافة والخدمات، وهو أمر ينعكس بصورة مباشرة على بيئة المستشفى وعلى المرضى والمراجعين والعاملين فيه.
عندما حاول أحد المديرين تطبيق العقد
من الشخصيات التي أذكرها بكل احترام الدكتور محمود الزريقات، الذي تولى إدارة مستشفيات البشير، وكان من أوائل من حاولوا التعامل مع المشكلة بصورة مباشرة، فطالب الشركات بأن تلتزم بما ورد في العقود، وأن يحضر العامل الذي يتقاضى راتبه مقابل عمله.
وهنا بدأت المشاكل.
فحين تحاول الإدارة أن تقول للعامل: احضر إلى عملك، وللشركة: نفذي ما ورد في العقد، فإن بعض أصحاب المصالح قد يرون في ذلك اعتداءً على مكتسباتهم غير المشروعة.
وقد تعرض الدكتور الزريقات، بحسب ما عاصرناه في تلك المرحلة، لمضايقات وتهديدات، حتى أصبح دخول المستشفى يحتاج إلى إجراءات حماية أمنية. وفي تلك الفترة حضر رئيس الوزراء آنذاك دولة الدكتور عمر الرزاز إلى مستشفى البشير، وتم توفير الدعم والحماية اللازمة للإدارة.
وبعد ذلك بدأ مسار التصحيح، وأصبح الالتزام بالعمل أكثر وضوحاً، وبدأت بعض المظاهر السلبية التي كانت موجودة داخل المستشفى تتراجع.
من هنا بدأت قصتي مع الملف
بعد ذلك تعاقدت وزارة الصحة مع شركة الشهد للخدمات، وهي شركة يملكها أحد أبناء عمي، وطلب مني أن أتولى إدارة مشروع الشركة في مستشفيات البشير، نظراً لما كان يحمله المشروع من تراكمات ومشاكل سابقة.
بدأت عملي في عام 2018، بأعداد عاملين تتجاوز ال 800 عامل بنسبة 4 % من ذوي الاحياجات الخاصة وتعاملت في البداية مع الدكتور محمود الزريقات، ثم مع الدكتور علي العبداللات، الذي واصل نهج التطوير والانضباط، وعزز الإدارة بالكفاءات والمعدات، وتعامل بحزم مع مظاهر الخلل والفساد.
ثم تولى الدكتور عاطف نمورة إدارة مستشفيات البشير، واستمر كذلك في مسار التطوير والتحسين.
وأقول هذه الأسماء لأن التاريخ يجب ألا يظلم من عملوا بإخلاص، كما يجب ألا يمنح من أخطأ وساماً لا يستحقه.
المشكلة التي صنعت كل هذا الجدل
كانت هناك حالات لأشخاص مسجلين كعمال لدى شركات الخدمات، بينما كانوا يعملون في جهات أخرى، أو لا يحضرون إلى المستشفى أصلاً، ومع ذلك كانت أسماؤهم تسجل على أنهم حاضرون ويتقاضون رواتبهم.
وهنا كان موقفي واضحاً:
الحاضر يُسجل حاضراً، والغائب يُسجل غائباً ولهذا المطلوب مني بالعقد 815 عامل والواقع انه يوجد لدينا 821 عامل مسجلين بالضمان الإجتماعي ويتقاضون رواتبهم من البنوك مباشرة من خلال بطاقات صراف آلي وقبل موعد 5 من الشهر الجديد تصرف رواتبهم بانتظام .

ولهذا أنا لا أستطيع أن أضع توقيعي على ورقة تقول إن شخصاً يعمل وهو لا يعمل، لأن الأمر في النهاية ليس مجرد ورقة؛ إنه مال عام، ومسؤولية قانونية، وأمانة أمام الله والوطن.
وبعض الحالات كانت أكثر وضوحاً، إذ كان بعض الأشخاص يغيبون لفترات طويلة، أو يعملون في مؤسسات أخرى خلال أوقات الدوام نفسها، بل إن بعضهم كان يدخل السجن في قضايا مختلفة بينما يبقى اسمه، على الورق، حاضراً في المستشفى!
وهنا أترك للقارئ أن يسأل نفسه:
هل المشكلة في من كشف الغياب، أم في من كان يتقاضى راتباً على عمل لم يؤده؟
عندما يصبح تطبيق القانون تهمة
عندما بدأت إجراءات ضبط الحضور والغياب، ثم توجيه الإنذارات والمخالفات، ثم الفصل وفق الأصول القانونية بحق من ثبت تغيبه أو عمله في جهة أخرى خلال الوقت نفسه، لم يكن من الطبيعي أن يصفق لي هؤلاء.
بدأت الهجمات الشخصية، والشتائم، ومحاولات التخويف والاعتداء اللفظي والجسدي.
وحين لم تنجح تلك الوسائل، انتقلت المعركة إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
ظهرت صفحات وأسماء وهمية، وبدأ نشر الاتهامات ضد إدارة مستشفيات البشير، وضد الشركة التي أدير مشروعها، وضد بعض موظفي وزارة الصحة والرقابة الخدمية.
وعندما حاولنا الوصول إلى أصحاب هذه الصفحات والتواصل معهم، كان من بين المطالب التي طُرحت إعادة بعض الأشخاص إلى العمل أو إعادة رواتبهم، مقابل وقف الحملات الإلكترونية.
وكان جوابي واضحاً:
لن أعيد إلى العمل من لا يستحقه، ولن أدفع مالاً مقابل إسكات شخص، ولن أساوم على مخالفة أعتقد أن فيها اعتداءً على المال العام أو على النظام الإداري.
وتقدمت الشركة بشكوى إلى الجهات المختصة بجرائم الإنترنت، وما زالت الإجراءات القانونية تسير في مسارها.
القضاء هو الفيصل
أنا لا أريد أن أكون قاضياً ولا جلاداً.
ومن اتهمني أو اتهم الشركة أو اتهم إدارة مستشفيات البشير، فليقدم دليله إلى الجهات المختصة، وليترك القضاء يقول كلمته.
أما أن تُصنع القصص من خلف أسماء مستعارة، وتُرمى الاتهامات جزافاً، فهذا لا يخدم المواطن ولا المستشفى ولا الوطن.
القانون لا يعمل بمنطق: سمعتُ وقالوا لي.
القانون يريد دليلاً، ووثيقة، وشهادة، وإجراءً صحيحاً.
ولهذا فإنني أرحب بأي تحقيق رسمي في أي ادعاء يتعلق بعملي أو بعمل الشركة أو بملف الخدمات في مستشفيات البشير.
وحتى شركتنا ليست فوق القانون
وهنا أذكر واقعة حدثت الأسبوع الماضي.
تمت مخالفة الشركة بمبلغ 2000 دينار نتيجة خطأ ارتكبه أحد العاملين لديها.
هل غضبت؟
بالعكس.
أنا أفرح عندما أرى أن هناك ثواباً وعقاباً، وأن المخطئ يحاسب، سواء كان الخطأ من شركتي أو من شركة أخرى.
وهذا هو المبدأ الذي أطالب به للجميع:
لا حصانة لشركة، ولا حصانة لموظف، ولا حصانة لمسؤول أمام القانون.
إذا أخطأنا فحاسبونا، وإذا أخطأ غيرنا فحاسبوه.
البشير ليس ملكاً لأحد
مستشفيات البشير ليست ملكاً لمدير أو وزير أو شركة أو موظف.
إنها مؤسسة وطنية، وملك للدولة، وخدمة للمواطن الأردني.
وما شهدته خلال السنوات الماضية هو أن مستشفيات البشير قطعت شوطاً مهماً في تطوير الجوانب الطبية واللوجستية والخدماتية، وأن هناك جهات رقابية تتابع وتفتش وتوجه المخالفات وتطلب تصويبها.
وقد يكون هناك تقصير هنا أو خطأ هناك، وهذا أمر طبيعي في أي مؤسسة كبيرة، لكن معالجة الخطأ تكون بالتفتيش والتحقيق والتصويب، وليس بتحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى محكمة تصدر الأحكام دون سماع الطرف الآخر.
كلمة أخيرة
يا من تكتبون خلف الأسماء الوهمية…
إن كنتم تملكون وثيقة فقدموا الوثيقة.
وإن كان لديكم دليل فضعوه أمام الجهات المختصة.
وإن كان هناك فساد فاكشفوه، لأن محاربة الفساد واجب.
لكن لا تجعلوا من محاربة الفساد ستاراً لمصلحة شخصية، ولا تجعلوا من الموظف الذي يطلب من العامل أن يحضر إلى عمله “فاسداً”، ومن الذي يريد راتباً بلا عمل “مظلوماً”.
لقد تعلمنا في حياتنا العسكرية أن الانضباط ليس خياراً، وأن الأوامر والتعليمات والعقود لا توضع للزينة، وإنما لتطبق.
وتعلمنا أيضاً أن من أخطأ يجب أن يحاسب، ومن أحسن يجب أن يُكرم.
ولهذا أقول بكل وضوح:
أنا مع التحقيق، ومع الرقابة، ومع التفتيش، ومع العقوبة، ومع تطبيق القانون، حتى لو وصلت العقوبة إلى الشركة التي أدير مشروعها.
لأن الوطن لا يبنى بالمجاملات، والمستشفيات لا تدار بالأهواء، والمال العام ليس مالاً سائبا، والوظيفة ليست جائزة لمن يعرف فلاناً أو علاناً.
أما الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع، فهي أن من يطلب تطبيق العقد والقانون قد يصبح أحياناً عدواً لمن اعتاد الاستفادة من مخالفة العقد والقانون.
وهنا يظهر الفرق بين من يريد إصلاح المؤسسة، ومن يريد أن تبقى المؤسسة كما كانت.
والأيام، والوثائق، والجهات الرقابية والقضاء، هي وحدها القادرة على إظهار الحقيقة.
فالحق لا يحتاج إلى صفحة وهمية، والباطل لا يصبح حقاً بكثرة المنشورات.

author avatar
ayman almajali

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار ذات صلة