بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي.
…. ……….
اتصل بي صديق عزيز، الدكتور س، وطلب مني أن أجلس معه ومع إخوانه من المستثمرين في قطاع الثروة الحيوانية، أولئك الذين أقاموا مزارع الأبقار، ثم استيقظوا ذات يوم ليجدوا أن ما بنوه بسنوات من التعب قد أصبح في مهب الريح.
والقصة، باختصار، ليست قصة رجل احتال على الناس، ولا رجل جمع الأموال ثم هرب بها، وإنما قصة مزارع دخل في تجارة الأبقار، واستوردها من هولندا، وكان ملتزماً بعقوده ودفعاته، إلى أن جاءت الحمى القلاعية، فنفقت الأبقار، وضاعت المزرعة، وتراكمت الديون.
والمزارع يقول إن الأبقار كانت قد تلقت المطاعيم من الجهات المختصة، وإن نفوقها كان نتيجة خلل في المطعوم، وهو أمر يحتاج بالطبع إلى تحقيق رسمي وفني يحدد المسؤولية، ولا يجوز أن يتحول إلى مجرد كلام في المجالس.
لكن المشكلة التي أمامنا اليوم ليست فقط: من المسؤول عن نفوق الأبقار؟
المشكلة الأكبر هي: ماذا نفعل بهذا الإنسان الذي خسر كل شيء؟
فالرجل عليه للمستثمر الهولندي نحو 1.2 مليون دينار، وعليه ديون أخرى للتجار تقارب مليوني دينار، وفي المقابل توجد أملاك تقدر قيمتها بنحو 4 ملايين دينار، وقد جرى الحجز عليها.
والرجل يقول بكل وضوح:
خذوا أملاكي، بيعوها بالمزاد العلني، وسددوا من ثمنها ما عليّ من ديون. أنا لا أهرب من ديني، ولا أنكر حق أحد.
فماذا يريد الدائن أكثر من ذلك؟
هل يريد أن يأخذ المال… ويأخذ معه الرجل؟
هنا تبدأ الحكاية التي تجعل المواطن يحتار: هل نحن أمام مديون يريد الهروب من العدالة، أم أمام إنسان يريد أن تسير العدالة في طريقها الطبيعي؟
المحاكم في السابق، كما يقول الرجل، كانت تنظر إلى ظروفه وتدرك أنه ليس محتالاً ولا نصاباً، وإنما إنسان أصابته كارثة اقتصادية لم تكن في حساباته، ولذلك كانت تمنحه فرصة حتى يرتب أموره.
أما اليوم، فقد صدر بحقه أمر إلقاء قبض، ويقول إن النتيجة قد تكون حبسه مدة ستين يوماً، ثم يعود الأمر ويتكرر، وكأننا دخلنا في مسلسل لا نهاية لحلقاته!
ستون يوماً!
ثم ستون يوماً!
ثم ستون يوماً!
يا جماعة الخير، هل المطلوب أن نسدد الدين من جيب المواطن، أم أن نسدد الدين من عمره وصحته وأعصابه وحياته؟
الرجل محجوز على أملاكه، وممنوع من السفر، وعليه دعاوى وديون، ومع ذلك يقول: بيعوا ما أملك وخذوا حقوقكم.
فأين المشكلة إذن؟
إذا كان المدين لا يملك المال نقداً، ولكنه يملك عقارات وأملاكاً يمكن بيعها وسداد الدين منها، فما الحكمة من تحويله إلى سجين أو مطارد؟
وهنا، وبكل احترام، أوجه سؤالي إلى رئيس المجلس القضائي، وإلى قاضي التنفيذ، وإلى رئيس المحكمة المختصة:
هل الهدف من العدالة أن يحصل الدائن على حقه، أم أن يتحول المدين إلى إنسان محطم لا يستطيع أن يقوم من جديد؟
وهل حبس المبتلى هو الحل؟
هل هروبه من البلد بطريقة غير قانونية هو الحل؟
هل أن يعيش مطارداً مختبئاً هو الحل؟
أم أن يصل إلى مرحلة يفكر فيها بأن يلقي بنفسه من فوق جسر عبدون هو الحل؟
بالله عليكم… أي واحدة من هذه حلول؟
العدالة لا تكون بالانتقام من المدين.
والقانون لا ينبغي أن يتحول إلى مطرقة تضرب رأس إنسان كلما تعثر.
نحن لا نقول اتركوا حقوق الدائنين، ولا نقول أعفوا الناس من ديونهم، ولا نقول إن المال ليس له صاحب.
بل نقول شيئاً بسيطاً جداً:
أعطوا الرجل فرصة قانونية لبيع أملاكه وتسديد ما عليه.
الدائن يريد ماله، والمدين يريد أن يسدد، والمحكمة تملك القدرة على تنظيم ذلك.
فلماذا نجعل الطريق بين الاثنين مليئاً بالسجون والحجوزات والمنع من السفر ومذكرات القبض؟
المشكلة أن بعض الناس يظنون أن المدين إذا أفلس فقد أصبح مجرماً.
وهذا خطأ كبير.
فقد يكون الإنسان اليوم تاجراً ناجحاً، وغداً يخسر كل شيء بسبب مرض أو وباء أو كارثة أو قرار اقتصادي أو ظرف لا يد له فيه.
المال يذهب ويعود، ولكن الإنسان إذا ذهب لا يعود.
ولهذا فإنني أكتب هذه الكلمات لا دفاعاً عن شخص بعينه، ولا خصومة مع أحد، وإنما دفاعاً عن مبدأ:
أن تكون العدالة رحيمة من غير أن تكون ضعيفة، وحازمة من غير أن تكون قاسية.
وأقول لصاحب القرار القضائي:
انظروا إلى هذا الملف بعين القانون، نعم، ولكن انظروا إليه أيضاً بعين الإنسان.
الرجل لا يقول: لن أدفع.
الرجل يقول: هذه أملاكي، فبيعوها وسددوا حقوق الناس.
فإن كان في كلامه حق، فساعدوه على الخروج من أزمته بالطريق القانوني.
وإن كان عليه ما يخالف القانون، فليُحاسب وفق القانون.
لكن لا تجعلوا اليأس هو القاضي الأخير في هذه القضية.
فالقاضي يحكم بالأوراق والقانون، ولكن الدولة العادلة تعرف أيضاً أن وراء الورقة إنساناً، وأسرة، وأبناء، وعمراً من التعب.
وفي النهاية، أسأل سؤالاً واحداً، وأرجو ألا يكون جوابه مؤلماً:
هل نريد مواطناً مديناً يبحث عن طريقة ليسدد دينه، أم نريد مواطناً يائساً يبحث عن طريقة يتخلص بها من حياته؟
أنا أريد الأول.
وأعتقد أن العدالة الأردنية تريد الأول أيضاً.
فيا أصحاب القرار…
أعطوا الرجل طريقاً إلى السداد، قبل أن يتحول الدين إلى طريق نحو اليأس

