Center News Network
Woman in a blazer speaks into microphones at a press conference, with a Moroccan flag on the right and a blue banner behind her.

سوريا الجديدة تعيد تموضعها في قضية الصحراء المغربية

كتبت الدكتورة آمال جبور
لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الرباط قبل أيام مجرد خطوة بروتوكولية عادية في مسار إعادة العلاقات بين المغرب وسوريا. فالإعلان السوري من العاصمة المغربية عن دعم مغربية الصحراء، وقرار فتح سفارة دمشق في الرباط، حملا رسائل سياسية تتجاوز مجرد استئناف العلاقات الدبلوماسية. إذ بدا واضحا أن دمشق لا تكتفي بإعادة وصل ما انقطع مع المغرب، بل تسعى أيضا إلى تموضع سياسي جديد يراعي التحولات التي يشهدها الملف داخل العالم العربي والإقليمي.
غير أن هذه الخطوة أعادت أيضا طرح تساؤلات حول كيفية تعاطي المغرب مع الملف السوري خلال السنوات الأخيرة. فهل كان التريث المغربي مرتبطا فقط بانتظار استقرار المشهد في دمشق، أم أنه يندرج ضمن دبلوماسية مغربية تقوم على الحذر وإعادة قراءة التوازنات قبل اتخاذ المواقف الكبرى؟
في الواقع، لم يتعامل المغرب مع سقوط نظام بشار الأسد بمنطق الاندفاع أو رد الفعل السريع، خصوصا مع تسارع عواصم عربية ودولية نحو دمشق الجديد، فقد انتظر نحو 22 يوما قبل إجراء أول اتصال رسمي مع القيادة السورية الجديدة بعد أحداث ديسمبر 2024. بالنسبة للبعض قد يبدو هذا التأخر مجرد تفصيل دبلوماسي، لكنه في السياسة يحمل دلالات كبيرة. فالرباط معروفة بتفضيلها سياسة الترقب وقراءة التحولات بهدوء، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات ترتبط بتوازنات المنطقة أو بقضية الصحراء المغربية.
في رأيي، لم يكن التريث المغربي تجاه دمشق نابعا من موقف ضد سوريا، بقدر ما كان محاولة لقراءة التحولات الجديدة بدقة: هل دخلت سوريا فعلا مرحلة سياسية مختلفة؟ أم أن الأمر لا يتجاوز تغييرا في الشكل مع استمرار جوهر السياسات السابقة؟ لذلك اختارت الرباط اختبار المؤشرات أولا، قبل الانتقال إلى شراكة سياسية واضح
ولفهم هذا التريث أكثر، لا بد من العودة إلى تاريخ العلاقة بين البلدين. فالعلاقات المغربية السورية لم تكن مستقرة دائما، وعرفت منذ ستينيات القرن الماضي فترات مد وجزر، قبل أن تصل إلى القطيعة سنة 2012 بعد إغلاق السفارة المغربية في دمشق. احتجاجاً على تصاعد العنف وقمع الاحتجاجات الشعبية من قبل النظام السوري، وتماشياً مع المواقف الدبلوماسية العربية والدولية المنددة آنذاك. وتُوِّجت هذه القطيعة في منتصف يوليو 2012 عندما أعلنت الرباط السفير السوري لديها “شخصاً غير مرغوب فيه” وطلبت منه مغادرة المملكة.
ومع ذلك، لم يتجه المغرب نحو قطيعة شاملة مع سوريا. فمنذ بداية الأزمة، دعم الحل السياسي، واحتضن سنة 2012 المؤتمر الدولي “أصدقاء سوريا”، الذي اعترفت خلاله أكثر من 114 دولة بالائتلاف الوطني السوري ممثلا شرعيا للشعب السوري. كما واصل المغرب تقديم مساعدات إنسانية للسوريين طوال سنوات الأزمة، ما يعكس أن الخلاف لم يكن مع الدولة السورية بقدر ما كان مرتبطا بطبيعة النظام ونهجه والمرحلة السياسية التي عاشتها البلاد
ورغم سنوات التوتر، بقي هناك دائما خيط تاريخي يربط الرباط بدمشق، خاصة مع مشاركة القوات المغربية إلى جانب سوريا في حرب أكتوبر 1973. لذلك بدت القطيعة، بالنسبة لكثيرين، وكأنها مرحلة مؤقتة فرضتها ظروف إقليمية معقدة، لا نهاية فعلية للعلاقة بين البلدين.
اليوم، ومع صعود السلطة السورية الجديدة، تبدو الصورة مختلفة تماما. فدمشق تسعى إلى العودة إلى محيطها العربي وإعادة ترميم علاقاتها الإقليمية، بينما يرى المغرب في هذا التحول فرصة لإعادة بناء العلاقة وفق قواعد جديدة أكثر وضوحا. وهنا تحديدا تظهر أهمية ملف الصحراء المغربية، باعتباره بالنسبة للرباط ليس مجرد قضية حدودية أو خلاف دبلوماسي عابر، بل قضية سيادة ووحدة ترابية تشكل أولوية مركزية في السياسة الخارجية المغربية. لذلك يحرص المغرب على أن تكون مواقف الدول من هذا الملف معيارا أساسيا في بناء علاقاته وتحالفاته الإقليمية والدولي
بالتالي، إعلان سوريا دعمها لوحدة المغرب الترابية لا يمكن اعتباره مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل هو تحول سياسي مهم في موقف دمشق. فهذا الموقف يكتسب دلالته من كون سوريا كانت، في سبعينيات القرن الماضي، أقرب إلى الطرح الانفصالي في قضية الصحراء المغربية، في ظل اصطفافات إقليمية وعلاقاتها آنذاك مع أطراف وقوى مختلفة كايران، ما جعل موقفها السابق منسجما مع دعم جبهة البوليساريو.
اليوم، يعكس هذا التغير مكسبا دبلوماسيا جديدا للمغرب، يضاف إلى سلسلة من المواقف العربية والدولية الداعمة لوحدته الترابية. كما أنه يشير إلى تحول تدريجي في التعاطي مع ملف الصحراء، وإلى تزايد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وعمليا.
لكن يبقى السؤال: هل نحن أمام تحول ثنائي محدود بين المغرب وسوريا، أم أمام بداية إعادة صياغة أوسع للعلاقات العربية على أسس أكثر براغماتية وأقل إيديولوجية؟
الأكيد، ومع السياقات الدولية والعربية وخصوصا مع حروب المنطقة والإقليم وتحديدا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وأزمة مضيق هرمز وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والتجارية والطاقية على العالم برمته، يبدو أن المنطقة العربية بدأت تبتعد، ولو تدريجيا، عن منطق الاصطفافات الحادة والشعارات الإيديولوجية التي طبعت سنوات طويلة من العلاقات العربية العربية تحديدا. بالتالي نلحظ أن هناك توجها متزايدا نحو البراغماتية، والاستقرار، وتغليب المصالح المشتركة على الصراعات المفتوحة.
وربما لهذا السبب تبدو عودة سوريا إلى محيطها العربي اليوم مختلفة عن السابق؛ فهي لم تعد قائمة فقط على الشعارات، بل على محاولة بناء توازنات جديدة أكثر واقعية. ومن هنا، قد لا يكون التقارب المغربي السوري مجرد حدث ثنائي معزول، بل جزءا من إعادة تشكيل أوسع للمشهد العربي. فالدول العربية التي استنزفتها سنوات الانقسام تبدو اليوم وكأنها تبحث عن لغة سياسية جديدة: أقل توترا، وأكثر ميلا إلى التفاهم وإدارة الخلافات بهدوء.
وفي النهاية، يبدو أن انتقال المغرب من التريث إلى الانفتاح تجاه سوريا لم يكن خطوة مفاجئة، بل نتيجة قراءة دقيقة لتحولات المنطقة. لكن الأهم من ذلك هو: إلى أي مدى يمكن لهذه التحولات أن تؤسس لمرحلة عربية جديدة أكثر براغماتية واستقرارًا في إدارة الخلافات؟

author avatar
ayman almajali

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار ذات صلة